الأحد, 30 تشرين1/أكتوير 2011 18:00 خدمات الموقع - اقوال اباء
طباعة
AddThis Social Bookmark Button

أقوال القديس مقاريوس الكبير.
الله والنفس البشرية

كثيراً ما يتصاغر الإنسان أمام نفسه ، فيري نفسه المخلوق الصغير أمام تلك الطبيعة بكل جبروتها .. انه الإنسان الذي يظهر قليلاً وكخيال يتمشى على الأرض ليختفي... انه المخلوق الذي قد يعثر بحجر صغير فيسقط ميتاً أو يهاجمه ميكروب ما أصغر من أن تراه العين فيلقيه على الفراش يتلوى سنوات طويلة ... يتوق إلي الموت فلا يجده ...

إنه كائن ضعيف ... ربما من أجل شهوة بسيطة دنيئة ينسي كرامته ويبعثر أمواله ويهدم وحدة الأسرة وربما يفقد كل شيء ... وهو يعلم أنها لذة وقتية سرعان ما تزول!!

أخي ... ويحنا نحن الأشقياء ... لن الخطية أفسدت نظرتنا لحقيقة نفوسنا ... أتريد أن تعلم من أنت؟ إنك موضوع حب الله ... أنك موضوع اهتمامه وعنايته حتى يبدو كما لو نسى العالم كله من أجلك. عندما خلقك (رأي الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً)"تك21:1". يتطلع إليك فيري فيك صورته ومثاله ... فيك العقل ، ولك حرية الإرادة أنعم عليك بالقدرة على الحب والانجذاب نحو الخالق لتشبع منه وتنعكس انطباعاته عليك فيفرح بك.

خلق السماء والأرض ليزولا يوماً ما (مت35:24) أما أنت فأوجدك لتحيا خالداً إلي الأبد.  هذه هي نفسك التي لم يقبل الرب أن يقارنها بالعالم كله قائلاً (ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه). علاقته بك كما سبق أن رأينا ـ هي علاقة محب لمحبوبة...

ماذا فعلت بي الخطية؟

أما وقد اخترت بإرادتي الاستقلال عن الله ليكون لي كياناً خاصاً بي بعيداً عن لجة محبة الله وهذه هي خطية آدم الأولي بل وكل خطية نرتكبها ... فقد فصلت نفسي عن مصدر سعادتها وشبعها وحياتها وسقطت تحت نير الخطية ، ووقعت تحت سطوة ظلمها .

إذ اخترت الخطية بإرادتي قدمت هي لي كل ما عندها ورغماً عني ... وماذا لدي الخطية إلا الحرمان والظلم والموت.

1- حرمان : قدمت لي تفاحة من (شجرة جيدة للأكل ... بهجة العيون ... شهية للنظر ، لكنها أفقدتني الشبع وحرمتني من الفردوس أبعدتني عن السلام والفرح والخير ....

2- ظلم : الله حق ، وخارج عنه ظلم ... والخطية ليست من صنع الله ، بل هي عدم ... خارجه عن الحق ، خاطئه جداً ، لا تعرف قانوناً ولا ناموساً . إن كان لها قانون فهو التشويش والظلم عينه.

3- موت الخطية : عدم كالظلمة التي هي انعدام للنور.

الخطية هي انفصال عن الله خالق كل شيء ... هي حرمان للنفس عن الله واهب الحياة ...

هذا ما وصلت إليه النفس البشرية بإرادتها . انحرفت الصورة عن أصلها فتلاشى جمالها ، وفسدت طبيعتها وزال سلطانها ولم تعد قادرة على الحياة أو اللقاء مع الله مصدر حياتها .

ارتبك الإنسان وارتعب ... ولكن عبثاً يحاول أن يخضع نفسه لإلهه بقوته الذاتية ... بعدما قدم لها العصيان وأخضعها للظلمة...

لقد حاول آدم أن يصلح خطأه بذاته ، فأكد رغبته بالأكثر في استقلاله عن الله بذاتيته الخاصة ... مما أضاف إلي النتيجة الأولي نتائجاً متوالياً هي تكرار لتأكيد الإنسان في ابتعاده عن مصدر صلاحه وعجزة عن العودة إلي حياته الأولي ... فإذ صنع لنفسه لباساً من ورق التين جف الورق وكان اللباس في ذاته كافياً ليؤكد للإنسان عريه ويفضح جريمته أمام نفسه.

لقد فلت زمام الأمر من يدي الإنسان ،  وصار لابد لهذا ـ الإله ما دام محباً ـ أن يتدخل ليمحو نتائج ما ارتكبه الإنسان بإرادته.

صارت الحاجة إلي أن يعيد الله للإنسان فرصة أخري ... في هذه الفرصة يعلن الله للإنسان أعماق حب له ، ويقدم له عوناً وإمكانية حتى إذا أراد ـ يمكن لأي ابن من أبناء البشر أن يتقبل محبة الله ويتجاوب معها .

ولكن كيف تأتي هذه الفرصة ... وقد سقط الإنسان الحر في إرادته باختياره في الخطية التي أثرها الموت.

هل يتدخل الله على حساب العدالة فيغفر ... ولكن كيف تتحقق العدالة التي بلا حدود.
هل يمكن لإله هذا هو حبه وهكذا هي رحمته ، أن يترك الإنسان يشقي ويهلك هلاكاً أبدياً ؟!!
إن هناك حاجة إلي عملية مصالحة بين الله والإنسان ، فيها يدفع الله أجرة الخطية دون أن يتنازل عن عدالته ، ويحقق العدالة في أعماق حبه !! وهذا بنعمة الله سيكون موضوع حديثنا في الباب الثاني.

+ النفس في ذاتها ليس طبعها اللاهوت ، ولا طبعها الظلام بل هي مخلوقة مدركة جميلة وعظيمة وعجيبة وشريفة ، بكونها صورة الله ومثاله ، ولم يدخلها انحدار أهواء الظلمة إلا بالمعصية.

+ أيها الأخ الحبيب ... لا تستخف بطبيعة النفس التي لها الإدراك ، فإن النفس الخالدة هي إناء ذو ثمن عظيم!!

أنظر وتأمل ما أكبر السماء والأرض ومع هذا لم يرتض الله بهما أعظم رضي(جا5:4-8). إنما يرتضي بك وحدك . فأنظر قيمتك وكريم أصلك ... لأن الإنسان كان سيداً على الكل ... لكن إبليس نشر على عقله ضباباً ...

بالصليب دان الخطية.

الصليب رجاء الأجيال كلها.

+ قال الكتاب (هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم)"يو29:1".

فهو وحده الذي أظهر هذه الرحمة لمن أمنوا به من جنس البشر فافتدوا من الخطيئة ويجري هذا الخلاص فائق الوصف للذين يصبرون له ويطلبون(مز3،1:40).

الصليب وحياة النصرة.

الصليب في حياة المؤمنين.

+ لما تعدي أدم وصية الله وأطاع الحية الخبيثة أصبح مبيعاً ، إذ باع نفسه للشيطان(رو14:7)   فاكتسي الخبيث بالنفس تلك الخلقه الشريفة التي عملها الله على صورته.

(لكن الرب) سلب الرؤساء والسلاطين (الشياطين) وظفر بهم بصليبه وهذا كان سبب مجيء ربنا لكي يطرحهم خارجاً ويسترد الإنسان الذي هو بيته وهيكله.

+ غير ممكن للإنسان أن يستأصل الخطية بقوته إنما في قوتكم أن تصارعوها وتضاربوها وأما نزعها فهو منحة من الله مخصوصة لأنكم لو كنتم تقدرون على ذلك فأي حاجة كانت إلي مجيء الرب؟!

وكما أن العين لا تقدر أن تنظر بلا نور ولا يمكن الكلام بلا لسان ولا السمع بلا أذان ولا المشي بلا أقدام ، ولا العمل بلا أيدي كذلك لا يمكن لأحد أن يخلص (مت21:1). أو يدخل ملكوت السموات بدون يسوع(يو3:14 ، عب20:6).

الصليب ومفهوم الموت

لماذا يبطل موت الجسد هنا

مات الرجل بالجسد ، ولم تمت نفسه قط لأنه ليس فيه خطية ولا صنع شراً يحجبه عن اللاهوت ولن تنفصل نفسه ولا جسده قط عن لاهوته.

أما جسده ، فإذ هو قابل الموت مات ، بانفصاله عن النفس ـ دون انفصال عن اللاهوت لحظة واحدة أو طرفة عين .

بهذا الموت الجسدي وهب للإنسان أن تموت نفسه ويموت جسده ، وبقيامته وهب للإنسان أن تحيا نفسه ويحيا جسده.

بموته وهب لنفوسنا أن تموت ، لا عن الله مصدر حياتها ، بل تموت عن مصدر موتها الخطية.
وبموته وهب لأجسادنا أن تموت ، لا كأثر من آثار الخطية بل أعطي الموت جسدي مفهوماً روحيا أعمق ... إلا وهو مشاركة الرب المتألم المصلوب المدفون!

وبقيامته وهب لنفوسنا أن تحيا ، إذ صار لها الله ينبوع حياتها ... تتمتع به من الآن إلي أن تراه وجهاً لوجه في الحياة الأبدية.

وبقيامته وهب لأجسادنا أن تقوم ، لكن ليس الآن ، إنما في يوم الدينونة ... ليتمتع مع النفس بالرب يسوع.

لكن قد يسأل أحدهم : لماذا لم يبطل الرب موت الجسد عن مؤمنيه هنا ، فلا يعمل الموت فيهم بعدما قاموا من الموت بموت الرب وقيامته فيعيشوا إلي الأبد دون أن تنفصل نفوسهم عن أجسادهم؟

للإجابة على هذا السؤال : نقول بأن الإنسان منذ سقوطه قد أغلق عليه في الجسد ... صارت نظرته جسدية وأفكاره محصورة في الرضيات وقلبه لا يقدر أن يرتفع عن الملموسات والمرئيات ...

لهذا لم يسمح الله لنا أن نبقي هنا في الجسد إلي الأبد ، لئلا تتركز أنظارنا في الأرضيات ولا يرتفع رجاءنا إلي الأبديات ... و(إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاء في المسيح فإننا أشقي جميع الناس"1كو9:15").

لو كان الأمر هو هكذا ـ أن نبقي إلي الأبد في هذا العالم ـ لارتبط إيماننا بالأرضيات وأحببنا عطايا الله وبركاته أكثر منه ... وهذه أنانية وليس عبادة وحب وعشق بين الله والإنسان.

فالله في محبته ارتفع إلي السماء حتى تشخص أنظارنا إلي فوق وتنظر اللقاء مع الله من أجل الله ذاته وبه وفيه ، ويكون هو الكل في الكل.

لهذا حدث العكس ، لقد أعلن لنا الرب ، أنه ينبغي لنا أن نتألم حاملين الصليب ـ من الخارج أو الداخل سالكين كغرباء ونزلاء منتظرين بفرح داخلي وبهجة داخلية الانعتاق من هذا الجسد.

فأولاد الله الذين عرفوا الرب وتمتعوا بالعشرة معه ، يفرحون بالآلام والأتعاب والأمراض .. ليس لأنهم لا يحسون لكن لأن أحاسيسهم انطلقت إلي السماء فكلما كثرت الآلام والأمراض أحسوا بقرب انطلاق النفس لذلك يترنمون مع الرسول قائلين(عالمين أن الذي أقام يسوع سيقيمنا نحن أيضاً بيسوع لذلك لا نفشل بل وإن كان إنساننا الخارج يفني فالداخل يتجدد يوماً فيوماً لأن خفة ضيقتنا الوقتية تنشئ لنا أكثر فأكثر ثقل مجد ابدي ونحن غير ناظرين إلي الأشياء التي تري بل التي لا تري . لأن التي تري وقتية وأما التي لا تري فأبدية "2كو13:4-18").

كلما تزايدت الأثقال وأحسسنا بموت الجسد يعمل فينا ، ابتهجت نفوسنا بانطلاقها وتجدد إنساننا الداخلي يوماً فيوم.

كلما ضعف الجسد ، لا ييأس الإنسان ولا يتراخى ، بل بالعكس يسر ويفرح من أجل قرب انطلاقة قائلاً مع الرسول(لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح...)

لقد رأي سمعان الشيخ أنه قد طال زمن بقائه في الجسد ، بوعد أخذه أن يعاين المخلص المولود من العذراء فما أن رأي المخلص وحمله على ذراعية حتى صرخت نفسه فيه إلي الرب(الآن تطلق عبدك يا سيد حسب قولك بسلام . لأن عيني قد أبصرتا خلاصك الذي أعددته قدام وجه جميع الشعوب"لو3،29:2").

هذا لا يعني الإهمال والاستهتار بالجسد ، لنه عطية من الله ، وهو عطية حسنه ، بدونها لا نعرف كيف نتعبد لله في هذا العالم؟!

حقاً يلزمنا أن نسجد لله بالروح والحق ، إذ هو روح ، لكن هل تستطيع النفس أن تتعبد لله والنفس في واد آخر؟!!

أنه بدون الجسد لا يستطيع الإنسان ـ في العالم ـ أن يتعبد لله بالروح فالجسد عطية من يد الله  بعين النفس في العبادة حتى خضع لها وسلك حسب إرشاد الروح القدس ... لكن عندما يثقل بالألم أو المرض لا نحزن فنما نتغنى قائلين(أما الروح فنشيط وأما الجسد فضعيف "مت41:26").

+ الموت الحقيقي هو باطن في القلب مستتر ، والإنسان الباطن هو الذي يموت . ولذلك إذا انتقل أحد من الموت إلي الحياة بالطريق السري (يو34:5) فهذا الشخص يحيا حقاً إلي الأبد ولا يموت ولكن ولو أن أجساد مثل هؤلاء تنحل زماناً ما إلا أنهم يقومون ثانياً بالمجد لأنهم مقدسون(رو4:1 ،11:8) ولذلك فنحن ندعو موت المسيحيين رقاداً(يو11:11-14، أع2:7 ،رؤع13:1) ونوماً.

ولو كان الإنسان جسده غير قابل للموت وغير مائل للفساد لكان أهل العالم كله . عندما يرون هذا الأمر الفائق الظن ، أي أن أجساد المسيحيين لا تفسد ، عندئذ ينجذبون إلي فعل ما هو خير بالضرورة لا باختيار منهم ، ولكن المراد أن تظهر الحرية التي منحها الله للإنسان منذ البدء ... وتظل ثابتة.

لهذا السبب نظمت الأمور بتدبير مخصوص وقت انحلال الجسد لكي يميل الإنسان إلي الخير أو الشر بإرادة منه...

رسم علامة الصليب

بالقوة عمله

+ أن بعد إشارة الصليب تفعل النعمة في هذه الحياة الحاضرة على هذا المنوال ، وهي أنها تهدي كل الأعضاء والقلب حتى أن النفس من زيادة الفرح تظهر كأنها طفل صغير لا يدري الخبث ولا يعود يدين (أحداً) إنما يتطلع إلي الكل بعين الطهارة ويفرح الإنسان بالعالم كله.

مفهوم الصليب مع المسيح.

لنحمل سمات المصلوب.

+ أمر الله في الناموس مجازاً أن تملح كل ذبيحة بالملح(لا13:2) . لذلك يجب أولاً أن يذبحها الكاهن وتموت وبعدما تقطع قطعاً تملح ثم توضع على النار.

فإن لم يذبح الكاهن الخروف أولاً ويموت فلا يملح أبداً ولا يقرب قرباناً محرقاً للرب . كذلك يجب على نفوسنا التي تأتي إلي المسيح الحبر الحقيقي أن تنذبح بيده وتموت عن شهوتها وعن السيرة الفاسدة التي أتبعها أولاً يعني الخطيئة وأن تنزع منها حياتها أي فساد الأهواء لأنه كما أن الجسد إذ خرجت منه النفس يموت ولا يعود يعيش العيشة الأولي ولا يسمع ولا يمشي كذلك المسيح حبرنا الإلهي حين يذبح النفس نعمة قدرته ويميتها عن العالم تموت هي عن سيرة الخبث الذي كانت تعيش فيها(فلا تعود تسمع أو تنطق أو يكون لها شركة في ظلام الخطية . لأن حياتها وروحها التي فساد الأهواء تخرج منها وقد صرخ الرسول قائلاً (قد صلب العالم لي وأنا للعالم "غلا14:6").

الملكوت في العهد الجديد.

ننال فيه الملكوت.

رسالة يسوع تتلخص في تقديم نفسه للبشرية لكي يقبلونه رأساً غير منفصل عنهم ولا هم عنه بل يصيرون من لحمة وعظامه (أف30:5) أعضاء حية في جسده السري به يفكرون وبه يتدبرون في كل شيء وبه يحيون..

إنه لم يأت ليقدم مجرد مبادئ أو قوانين بل قدم لهم نفسه أولا وعندئذ يحيون بمبادئ السماء أو قوانينها التي يعجز الإنسان الطبيعي عن السلوك بها...

إنه قدر ما انحط الإنسان في الضعف ونزل إلي أدني المستويات صارت حاجته إلي عملية تطعيم وتغيير وتجديد لطبيعته .... والصعود به إلي حيث يقف في حضرة الله.

من أجل هذا نزل الابن إلينا ، وصعد بقوة سلطانه ... حاملاً إيانا معه على كتفيه كغنائم حية كسبها (المنتصر) على الموت والظلمة .... داخلاً بمجد عظيم ، لا بمفرده بل حاملاً المعديين لنكون معه ونتمتع به في السماويات.

هذا هو سبب تجسده وهذا هو هدف صلبه وهذه هي قوة قيامته وهذا هو غاية صعوده أننا بالرب نسلك طريقة ، نحيا معه وبه ولأجله .

يا للحب الأبوي العجيب ! لقد صار أخاً بكراً مقدماً نفسه رأساً لنكون نحن أعضاء جسده السري حتى إذا انفتحت وارتفعت الأبواب الدهرية أمامه ندخل معه وبه.

يا للكرامة التي نلناها في شخص آدم الثاني ، بعدما أحدرنا آدم الأول إلي الهاوية! هذا ما أعلنه القديس يوحنا ذهبي الفم في مقاله التي نطق بها في احد أعياد الصعود ... وقد قمت بترجمتها مع وضع العناوين للتبسيط.  هذا المقال نذكره مشيئة الرب في نهاية أقوال الآباء التالية.

+ الله غير المحصور ، الذي لا يمكن لإنسان أن يدنو منه ، غير المخلوق إتخذ لنفسه جسداً بصلاحه الذي لا يحد ولا يدرك وسمح أن يتصاغر عن ذلك المجد الذي لا يستطاع الدنو منه(1تي16:6).  لكي يصير بذلك قابلاً للإتحاد مع خلائقه المنظورة كالنفوس لكي تقدر أن تشترك في حياة اللاهوت.   

لقد تنازل الله غير المنحصر ، الجائز كل إدراك ، صلاحاً منه ، ولبس أعضاء هذا الجسد وتخلي عن المجد الذي لا يمكن الدنو منه ... صار جسداً واتحد به ليأخذ إليه النفوس المقدسة المقبولة الأمينة ويصير معها روحاً واحداً كقول الرسول بولس(1كو17:6).... لتعيش النفس باتفاق تام ، ونتذوق الحياة الخالدة وتصير شريكة في المجد الذي لا يفسد....

قدم لنا وصية من اجل الملكوت .

الوصية الأولي التي بدأ بها يسوع كرازته وعلمها لتلاميذه (توبوا لأنه اقترب لكوت السموات)"مت17:4"). ..

والوصية الخيرة التي ختم بها كرازته وهو على الأرض بالجسد (ها أنا معكم كل الأيام وإلي انقضاء الدهر"مت20:28").

بدأ كرازته أن يقبلوا الملكوت وختمها بتقديم نفسه للملكوت الذي يكون معهم وفيهم لأنه وإن ارتفع إلي السماء لكنه يملك على القلب ويسكن فيه ويجعل منه مسكناً ومملكة سمائية...

هذه هي الوصايا التي قدمت لنا نحن البشر ... هدفها أن تدخل بنا إلي الملكوت في داخلنا . وتكشف لنا مفاهيمه ومعالمه . وتهبنا إمكانية الحياة بقوانينه وروحه . وتذوقنا الحياة مع الرب في ملكوت سماوي.

الوصية تهيئنا للملكوت .

ملكوت السموات له قانونه ولغته يشتاق كل من يرغب في الهجرة إليه والاستوطان فيه أن يتعرف عليهما ويدرسهما ويتدرب عليهما حتى متى رحل لا يكون غريباً عاجزاً عن الإقامة والتفاهم.

وقانون الملكوت هو الوصايا الإلهية في روحها التي تتركز في النهاية حول وصية واحدة هي(المحبة) التي هي دستور السماء ولغة السمائيين هناك.

هذه الوصايا الإلهية قدمها الرب الصاعد إلي السماء لذلك فهي بالنسبة لنا نحن البشر صعبة وثقيلة ينظر إليها الكثيرون على أنها لا تصلح إلا بين بشر سمائيين أو ملائكة أرضيين.

والحق أن هذه الوصايا موضوعة لبشر سمائيين ... فكرهم وقلبهم وطاقاتهم كلها قد سبقت الجسد إلي السماء لتحيا مع الرب الصاعد . تجد لذة في الوصايا السماوية لأنها قوانين أبيهم السماوي .

هذه الوصايا هي مبادئ لا ليحيا بها الإنسان ليتمتع بالعالم وما فيه إنما ليتدرب على يدي النعمة بروح الرب السماوي للحياة هنا في العالم مع يسوع الصاعد بالجسد إلي السماء. هم أعضاء لرأس سماوي  يتوقعون بين الحين والآخر رحيلهم إلي الفردوس حتى يكمل رفقاؤهم جهادهم ويلتقي الكل في يوم.

الدينونة بيسوع في كمال مجده . لهذا يشتاقون إلي التعرف على ناموس السماء والتدرب على يدي النعمة الإلهية.

والوصية الصعبة بالنسبة للمؤمن هي محك اختبار يكتشف بها الإنسان المتيقظ ضعفه الذاتي وعجزه عن التنفيذ وعندئذ تحن إلي حياة الطفولة البسيطة التي فيها يرتمي الإنسان على أبيه في بساطة وبراءة وتسليم وإيمان بقدرة أبيه.

بالوصية الصعبة يدرك أن كل ما تعلمه من حكمة بشرية واكتسبه هو قشور تغلف نفسه وتحجبها عن البساطة الولي والسعادة الحقيقية ..

وعندئذ يختلي مع الله أبيه فتتوق نفسه إلي العودة إلي مجدها الأول وطبيعتها قبل الفساد ومن هنا يصير للإنسان عن طريق هذه الوصية الصعبة إمكانية الدخول إلي الملكوت (إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات). إذ يرتمي في بساطة الطفولة بين ذراعي النعمة لتنتشله وتقدسه وتجعل حمل الوصية بالنسبة له خفيفاً ونيرها هين، فيقول (لأنه حيثما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي)"2كو10:12".

بالوصية الصعبة يتعلم المؤمن الإرتماء علي صدر الرب سائلاً وطالباً وقارعاً متعلماً حياة التسليم... والعجيب في الوصية الإلهية أن فيها تكمن قوة الملكوت فإذ يبدأ الإنسان في التنفيذ بقوة الروح القدس الساكن فيه يكتشف الإمكانية القوية التي فيها ... يدرك الملكوت في داخلة ... يري قوة الملكوت وقوانينه التي تختلف عن قوانين الطبيعة ... فيدرك بالإيمان أن خمس خبزات وسمكتين تشبع خمسة آلاف رجل غير النساء والأطفال ويفيض ويدرك انه بالإيمان قادر على السير فوق البحر دون أن يغرق ، وانه بكلمة من الرب يصطاد سمكاً كثيراً ... يكتشف المؤمن في تنفيذ الوصية انه غير خاضع لقوانين الطبيعة التي تحكم العالم المادي وجسده بل فوقها ... يقدر بالإيمان أن يصنع ما هو مستحيل في نظر البشرية ... فلا يخضع لثقل الجسد والتزاماته ولا يخاف عليه ولا يخضع لروح العالم ولا يخاف منه ... بل يدرك في تنفيذه الوصية أنه مع الرب يملك ... فلا يخاف الشياطين ولا يرتعب من الخطية ولا ينحني لسلطان الموت ولا يسلم يديه لقيود العالم ... إنما بالرب واضع الوصية ، يحيا في الملكوت كمن هو ساكن في السماء له سلطان أن يدوس على الحيات والعقارب.

+ فسبينا إذاً أن نهيئ نفوسنا للمجيء إلي الرب بعزم تام وإرادة لا تنحل وان نكون تابعين للمسيح لكي نفعل كل ما شاء ونراعي جميع وصاياه ونعمل بها ... حتى إذا سعينا بعقل متيقظ هكذا وتقدمنا في سبيل البر بضمير مستقيم واهتممنا بنفوسنا كل حين ننال وعد روحه ونفدي بالنعمة من هلاك ظلام الأهواء التي تضايق النفس بفاعليتها فنصير حينئذ أهلاً للملكوت السماوي ونحسب مستحقين للتنعم بالخلود مع المسيح بحيث نمجد الأب والابن والروح القدس إلي الأبد أمين.

+ كما أن الملك إذا كتب رسائل الذين يشاء أن ينعم عليهم بعطايا ومواهب خاصة يقول لهم : بادروا إلي جميعكم لتنالوا منى نعماً ملوكية فإن لم يذهبوا ويأخذوها لا تفيدكم قراءة الرسائل شيئاً بل يستحقون الموت ... كذلك الله الملك (مز1:93) أرسل كتابة الإلهي ورسائله (رؤ4:1) قاصداً بها أنه بالدعاء له والإيمان به يسألون وينالون ...

أن نكون شركاء في الطبع الإلهي (1بط4:1) وأما إن لم يأتيه الإنسان ويسأل لينال فلا يستفيد شيئاً من قراءة الكتب المقدسة بل يكون في خطر الموت(يو48:12) لأنه لم يرد قبول موهبة الحياة من الملك السماوي التي بدونها لا يمكن نوال الحياة الخالدة التي هي المسيح نفسه(يو25:11) فله المجد إلي الأبد أمين .

ما هي وصايا الملكوت .

وصايا الكتاب المقدس بعهديه لا يمكن أن تدرس وصية وصية إنما من يتسع قلبه ويتلمسها يجدها لحناً واحداً عذباً ليس فيه نشاز هو لحن الترنيمة الجديدة التي للمفديين يدور حول هدف واحد هو كشف الملكوت وتهيئنا له.

هذا هو الهدف الواحد ، الذي إليه تنتهي كل الوصايا ، يسير في طرق ثلاث:ـ

1- الكشف عن بطلان الحياة الزمنية.

2- تهيئة النفس للملكوت السماوي.

3- تعرف النفس للملكوت في ذاته.

1- الكشف عن بطلان الحياة الزمنية.

لا يقدر الإنسان أن يرفع أنظاره الداخلية إلي السماويات ما لم يكتشف حقيقة الحياة الزمنية إنها كبخار يظهر قليلاً ثم يختفي. 

وقد حدثنا الرب حديثا عملياً عن حقيقة هذه الحياة ، إذ جاء إلي هذا العالم بالجسد وعبرة منتصراً دون أن يمسك قلبه بشيء من قنية هذا العالم إذ لم يكن له أين يسند رأسه.

لقد استخدم العالم كقنطرة للعبور وليس غاية في ذاته يتعلق به أو يمسك فيه وهو بهذا نزع تلك النظرة التشاؤمية من جهة العالم مهما كانت آلامه ومتاعبه.

لأن من ينظر إلي العالم كغاية في ذاته فيحجب عينية عن معاينة الملكوت مثل هذا غالباًً ما يردد ما قاله أحد الفلاسفة (العالم عمل لا يغطي تكاليفه) أو قول أخر(العالم بلا معني ولا مغزى).أولاد الملكوت يرون في العالم قنطرة ، فلا يبالون بجمالها أو أتعابها ما دامت تؤدي إلي غايتها .

  هؤلاء يحسبونه كل فرح حينما يقعون في تجارب متنوعة (يع1:1) وهم في نفس الوقت لا ينشغلون بشيء في الطريق.

عيونهم مفتوحة في حذر من مكائد إبليس وخداعاته التي يستخدمها لإعاقتهم عن العبور ولهيهم في أمور كثيرة ... هؤلاء يدركون قيمة حكمة يسوع القائل(لا تقاموا الشر . بل من لطمك على خدك الأيمن حول له الآخر أيضاً . ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء..."مت5). إنه ليس وقت لمقاومة الشر . ولا بالانشغال بلاطم الخد أو آخذ الثوب ... بل هو وقت للعبور بأقصى سرعة نحو الأبدية ... من يريد يأخذ فليأخذ وليأخذ مضاعفاً حتى لا يشغل هذا فكري أو ينحرف به عن الانشغال بالملكوت.

إنه ليس وقت للنزاع بل (كن مراضياً لخصمك سريعاً ما دمت معه في الطريق)"مت25:5". لقد هرب يوسف من امرأة فوطيفار لأنه عالم أنها حتماً ستموت يوماً ما وتتركه أو يتركها هو               وهكذا كان يدرك حقيقة حياته الزمنية لا يجد وقتاً للشهوة أو الغضب أو تطليق الزوجة أو الإدانة أو تجميع المال أو القلق ... إنما يرتبط بالرب القائل (ثقوا أنا قد غلبت العالم).

من أجل هذا عرفنا الرب أننا غرباء ونزلاء ليس هنا مكان باق بل تنتظر أورشليم السمائية التي صانعها وبارئها الله .

 هذا عرفنا به بحياته الشخصية وفي خلال تجربته على الجبل وفي وصيته للشاب الغني وفي أمثلته (الغني و لعازر ، الغني الغبي) وفي وصاياه وتعاليمه. من أجل هذا صلي الرب قبيل صلبه قائلاً (هؤلاء ليسوا من العالم احفظهم من الشرير). 

2- تهيئة النفس للملكوت.

متى أكتشفت النفس بطلان هذه الحياة الزمنية المؤقتة اشتاقت أن تتدرب على الحياة التي تترجاها من أجل هذا قدم الرب لنا هذه الوصايا وبخاصة التي وردت في الموعظة على الجبل لتؤهلنا لهذا الملكوت نذكر منها أمثلة..

أ- التطويبات.

+ طوبي للمسكين بالروح .... كثيرون هم مساكين ... لكن هناك مساكين من أجل قلقهم واضطرابهم ومساكين من اجل فقرهم المادي ، ومساكين بالروح يفتقرون من اجل الملكوت متعطشين إلي الله الروح. أليس هذا هو حال السمائيين إنهم متعطشون على الدوام إلي الرب وقدر ما يتمتعون إليه يزداد شوقهم إليه؟!

لقد أراد حنانيا وسفيره أن ينفذا الوصية ويصيروا مساكين لكن قلبيهما كان محباً للعالم غير متعطش للروح فرفضا من الملكوت لأن المسكنة ليس مجرد وصية تنفذ بحسب ظاهرها ، بل صفة من صفات أبناء الملكوت يتدربون عليها هنا وتمتد معهم بصورة أكمل في الأبدية.

+ طوبي للحزانى لأنهم يتعزون ... والتعزية الكاملة ينالها الإنسان في الأبدية وإن كان لا يحرم منها ههنا . إذ يقبل التعزية والسلام هنا رغم الضيق والألم أما هناك فيري آثار آلام سيده المحب فيحيا شاكراً مسبحاً في سلام يفوق كل عقل ...

+ (طوبي للودعاء ، طوبي للرحماء ، كوبي لصانعي السلام ....). إنهم وصايا لأناس سيحيون إلي الأبد في ملكوت ذاك الوديع الرحيم صانع السلام . فمن لا يحب الوداعة والرحمة وصنع السلام كيف يطيق أن يعيش في شركة قوية مع مثل هذا الإله؟!

ب- أنتم ملح الأرض ، أنتم نور العالم.

أبناء الملكوت يحملون شخص الرب الذي هو وحده الملح الحقيقي الذي يملح كل نفس تقبله ويصلحها والنور الحقيقي الذي يضيء لكل إنسان أتياً إلي العالم ...

هذا هو لباس الملكوت أن نحمل الله فينا ، فلا يرانا الناس بل يرون الله الملح والنور الحقيقي فينا... أليس هذا عربون الملكوت الأبدي الذي فيه يكون الله الكل في الكل. بهاتين الوصيتين نتقبل ملكوت النور ونرفض ملكوت الظلمة إذ يقول القديس مقاريوس الكبير .

+ كل نفس لا تصلح بالروح القدس ولا تملح بالملح السماوي يعني بقوة الله تنقلب حالاً إلي العفونة ويصير فيها نتن الأفكار الشريرة بكثرة فينفر وجه الله من الرائحة الدنسة التي لأفكار الظلمة الخبيثة والهواء الفاسدة الساكنة في هذه النفس ويتمشى الدود الشرير اللعين يعني أرواح الخبث و قوات الظلمة تتمشي في النفس وتجول فيها وتجد مرتعاً وقبولاً فيدب فيها ويأكلها ويفسدها...

ج- تكميل الناموس .

ما أعلنه الناموس من وصايا كان لأجل الملكوت ذاته الذي لأجله جاء العهد الجديد بوصاياه فما أوحي به الناموس أكده العهد الجديد وكماه بنفس الهدف ألا وهو التهيئة للملكوت ونزع كل انحراف في الإنسان يبعده عنه.

فكمثال وصية عدم القتل لم يهدف الناموس إلي مجرد الامتناع عن جريمة القتل . بل يخطو بالإنسان خطوة جديدة في طريق الملكوت الذي ليس فيه شر ولا خطية .

 فلما جاء العهد الجديد خطي بنا إلي عمق الوصية التي تود أن يكون لنا فكر السمائيين حيث لا يوجد قتل و لا غضب ولا كلمة جارحة ...

ووصية عدم الزنا : أعلنها العهد القديم فإنها وإن تساهلت في أمر النظرة الشريرة لكنها لم تبحها . ولما جاء العهد الجديد تقدم بنا إلي داخل الوصية لنري إن (كل من ينظر إلي امرأة ليشتهيها فقد زني بها في قلبه).

وسمح الناموس بالطلاق لكن كقول الرب لأجل قسوة قلب الإنسان حتى لا يقتل الرجل امرأته ليتخلص منها لكن إذ في السماء حب وحب بلا حدود بين يسوع والنفس لا يفصلهما ولا يحرمنا من التمتع به إلا رفضنا إياه هكذا يدربنا الرب يسوع على حياة الملكوت فلا يبح الطلاق إلا لعلة الزنا .

ومن جهة المحبة ينادي الناموس (عين بعين وسن بسن) وكما يقول أغسطينوس إن الله لم يجبرنا على رد الشر بشر مماثل لكنه منعنا من رده بشر أكثر وهو بهذا يعبر بالإنسان إلي درجات جديه في الملكوت فيمنعه من أن يبدأ بالشر ويصده عن مقاومة الشر بشر أعظم ويبيح له أن يرد الشر بمثله أما في العهد الجديد فيخطو بنا خطوات أعمق في داخل نفس الطريق فيطالبنا لا بعدم رد الشر بشر مماثل  ولا بعدم المقاومة فحسب بل رده بالخير هذه هي وصية المحبة التي هي تهيئة الإنسان الذي يحيا مع الله ليتذوق الحب هنا إذ يحيا إلي الأبد مع الحب الحقيقي فبوصية الحب كما يقول مرقس الناسك (يسمو بالعقل ليرتفع فوق كل المخلوقات خافياً عن عينية كل شيء غير الله فيكتشف الله للإنسان أسرار لاهوته العميقة).

د- عبادة سرية "مت 1:6-18".

ملكوت الله عرس سماوي فيه تدخل النفس إلي جمال الملك(نش1) لأجل العريس وليس آخر تتعبد له في سرية وهو يكشف لها نفائس مخازن قلبه الغني لتأخذ وتتغني ويكون(مجد إبنة الملك من داخل).

في وصاياه يود أن يساورها وتساوره ، فلا تتعبد له من أجل الناس ولا حتى من اجل ذاتها ، بل يود أن يحررها من كل شيء فتقدم له عبادة سرية من صدقة وصلاة وصوم فلا تعرف شمالها ما تصنعه يمينها خلال هذه العبادة السرية تلتقي العريس بعريسها الخفي لأجل قبولها انطباع صورته في أعماقها وناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآه تتغير إلي تلك الصورة عينها من مجد إلي مجد كما من الرب الروح.

+ قد يدخل الإنسان ويركع ويمتلئ قلبه قوة إلهية وتفرح نفسه مع الرب كما تفرح العروس مع عريسها كقول أشعياء(5:26) ويفرح العريس بالعروس ويفرح بك إلهك.

وأخيراً :

ما قلناه في الوصايا السابقة ينطبق على بقية الوصايا إذ تتركز في تهيئة الإنسان للتلاقي مع الرب في الحياة الأبدية وجهاً لوجه ونزع كل انحراف لصق به...

3- تعرف النفس على الملكوت.

جاء الكثير من الوصايا تعرفنا أسرار الملكوت لكي ما تلهب قلوبنا نحوه ، فنجاهد ونغتصب..
هذه الوصايا تهيئنا لقبول الوصايا الأخرى ، التي نسميها بالوصايا الصعبة فنحتملها ونقبلها مهما كانت تكلفتها لأنها تذوقنا الملكوت في ذاته.

فوصية محبة الأعداء مثلاُ صعبة ... لكن من اجل الملكوت نقبلها وإذ نقبلها نتذوق (الحب) في ذاته...الخ.

علامات الملكوت.

ملكوت السموات رحلة خفية فيها يصعد الإنسان إلي السمويات خلال طريق الصليب . وهي بهذا تحمل علامات خارجية مرة لكنها تحفظ لصاحبها علامات داخلية مجيدة .

1- العلامات الخارجية:

طريق الملكوت هو الصليب : ضيق وألم وكرب وحزن وتعيير وطرد وصلب وموت ودفن ... هذا الصليب يحمله له الغير غرباء أو أقرباء وتحمله له الوصايا الصعبة إذ فيها ترك وتخليه و احتمال وإنكار ذات لأنها طريق ضيق تفرز أبناء الملكوت عن أبناء الظلمة وتميز الداخلين الملكوت من أجل الله والطالبين الملكوت لأجل راحة الجسد ومتعة النفس الزمنية ...

في لحظات الضيق ن يقف الإنسان عند الصليب فيبتر منه كل انحراف فلا يطلب أن يكون يسوع ملكاً أرضياً كما سبق أن طلبت الجموع ولا يخطر على ذهنه فكر أم ابني زبدي أن يكون لا بنيها مرتبة زمنية في ملكوت يسوع ويتبدد كل فكر كبرياء كالذي خطر على أذهان التلاميذ قائلين(من الأعظم في الملكوت؟!). 

هذا الطريق الضيق للملكوت لم يوضع للتعجيز بل للفوز والتنقية والتزكية.

+ تتميز خلقة المسيحيين الجدية(2كو17:5) بتجديد العقل (رو3:12) وسلام الأفكار (ف7:4) ومحبة الروح السماوية (أف19:3) وقد جاء الرب (متجسداً) لهذه الغاية لكي يصير المؤمنين به حقاً أهلاً لتلك الخيرات الروحية لن مجد المسيحيين وجمالهم ومما لهم مما لا يوصف إنما يشتري بالكد والتعب والمحن وكثرة الضيقات ولكن الكل يختص بنعمة الله .

2- العلامات الداخلية :

+ وألبسهم أيضاً لباس ملكوت النور الذي يفوق كل وصف وملابس الإيمان والرجاء والمحبة والفرح والصلح والصلاح والإحسان وكافة حلل النور والحياة والحلل الإلهية الحية حلل تلك الراحة التي لا توصف حتى كما أن الله نفسه هو محبة وفرح وسلام وإحسان وصلاح فيكون كذلك الإنسان الجديد بالنعمة.

وكما أن ملكوت الظلمة والخطيئة هي مخفي في النفي إلي يوم القيامة الذي سوف تغمر فيه أجساد الخاطئين بالظلمة المخيفة الآن في النفس ، كذلك ملكوت النور والصورة السمائية وهي يسوع المسيح تنير النفس بالسر في الحال الحاضر وتملك في نفوس القديسين ولكن من حيث أنها مختفية عن عيون البشر فالمسيح تنظره فقط عيون النفس حقاً حتى يوم القيامة الذي سوف يغمر فيه الجسد ذاته (أش5:4) ويتمجد بنور الرب الكائن الآن في نفس الإنسان ليملك الجسد أيضاً مع النفس التي ينال الآن أيضاً ملكوت المسيح وتنتعش حقاً وتستنير بالنور الأبدي .

فالمجد لمراحمه ولطفه على انه يرحم عبيده وينيرهم وينقذهم من ملكوت الظلام ويمنحهم نوره وملكوته له المجد والقوة مدي الدهور.

+ وكما أن الغنم والجمال إذا رأت عشباً تبادر إليه بشراهة واستعجال وتحزن لنفسها منه قوتاً وفي وقت الجوع تخرجه من معدتها وتجتره وما قد خزنته من قبل يصير لها بعد ذلك طعاماً كذلك جميع الذين اغتصبوا ملكوت السموات الآن وذاقوا الطعام السماوي الحي بالروح ففي وقت القيامة ينالون ذلك الطعام عينة لتغطي أعضاءهم ويغذيهم.

+ إن أنكر إنسان أقربائه وجحد هذا العالم وتغرب عن لذت هذه الحياة وعن الممتلكات والأب والأم من أجل الرب وصلب نفسه حباً به ولكنه لا يجد في نفسه التنعم الإلهي بدل تنعم هذا العالم وبدل اللذات الزمنية ولا يحس بلذات الروح في نفسه ولا يلبس ثوب النور في الإنسان الباطن بدل اللباس الفاسد وعوض هذه الشركة الزمنية الجسدية لم يحصل على شركة العريس السماوي في نفسه وعوض سرور هذا العالم الظاهر لم يحرز في باطنه فرح الروح لم ينل في نفسه عزاء النعمة السماوية والقناعة الإلهية عندما يظهر له مجد الله على ما كتب وأقول باختصار إنه عوض هذا التمتع الزمني لم يجد في نفسه في هذه الحياة الحاضرة ذلك التمتع المشتهي غير الفاسد فهذا الإنسان قد صار ملحاً بلا طعم وخليق بأن يرثي أكثر من جميع الناس فإنه قد صار مجرداً من الأشياء ها هنا ولم يحصل عوضاً عنها المواهب الإلهية ولم تكن له معرفة بالأسرار الإلهية بفعل الروح في إنسانه الباطن لأنه لهذه الغاية إنما يتغرب الإنسان عن هذا العالم وتجوز نفسه بالعقل إلي عالم أخر ودهر آخر كما قال الرسول(فإن سيرتنا نحن هي في الموات)"ف20:3". وقال أيضاً (لأننا وإن كنا نسلك في الجسد لسنا حسب الجسد نحارب "2كو3:10".

فسبيل من يجحد هذا العالم إذاً أن يؤمن يقيناً بأن يعبر بفكره إلي عالم آخر ولو كان سالكاً في هذا العالم وذلك بواسطة الروح وبان تكون هناك سيرته ولذته...

مواهب الروح القدس

سر الميلاد الجديد

+ من شاء أن يأتي إلي الله وأراد أن يكون بالحق جالساً مع المسيح على كرسيه(رؤ21:3). يجب عليه أن يأتيه لهذه الغاية وهي أن تتغير ويعبر عن حاله وسيرته الولي ويثبت كونه إنساناً صالحاً جديداً ليس عليه شيء من الإنسان العتيق لأن الرسول قال إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة(2كو17:5) . لأن ربنا يسوع المسيح أتي لهذا الباعث وهو أن يحول ويغير ويجدد ويخلق ثانياً(مز1:51) هذه النفس التي انعكست بالأهواء الدنيئة بالمعصية بحيث يجعلها شريكة لروحة الإلهي وقد أتي ليصنع عقلاً جديداً ونفساً جديدة وعيوناً جديدة وآذاناً جديدة ولساناً جديداً روحانياً وباختصار أن يصير المؤمنين به بشراً جديداً وإناءاً جديداً بعد أن يمسحهم بنوره ليصب فيهم من الخمر الجديدة أي روحة القدوس فقد قال بأن الخمر الجديدة تجعل في زقاق جديد(مت17:9).
لأنه كما أن العدو لما قبض على الإنسان في يديه جدده لنفسه فألبسه الهواء الدنيئة ومسحه بروح الخطية وصب فيه خمر كل المعصية والتعليم الفاسد ؛ كذلك الرب كما أنقذه من العدو جدده فمسحه بروحه وصب فيه الخمر الجديدة خمر الحياة والتعليم الجديد تعليم الروح.

لأن الذي غير طبيعة الخمسة أرغفة وصيرها طبيعة أرغفة كثيرة وأنطق طبيعة الحمار غير العاقل وجاء بالزانية إلي العفة(يو8) وجعل طبيعة النار المحرقة برداً على الذين كانوا في الأتون ومن أجل دانيال لطف طبيعة الأسود الكاسرة كذلك يقدر أن يغير النفس التي أفقرت وتوحشت بالخطية ويحولها إلي صلاحه ورآفاته وسلامه بروح الموعد المقدس الصالح.

+ لأنه إن كان الحطب الذي من طبعة الخفة لما ألقي في الماء في عهد أليشع أخرج الحديد من طبعة الثقل(2مل16:6) فكم بالحرى أن يرسل الرب إلي ها هنا روحه الخفيف النشيط الصالح السماوي وبواسطته يخرج النفس التي غطست في مياه الإثم ويصيرها خفيفة ويرفعها على جناحه تجاه أعالي السماء ، وبغيرها من طبيعتها الأصلية تغييراً كاملاً.

وكما أنه في الأشياء المنظورة لا يقدر احد من نفسه أن يجوز البحر وبعبرة إلا إذا كان له مثلاً قارب خفيف مصنوع من خشب يسير على المياه . لأنه من يزعم أنه يمشي على البحر يغرق ويهلك كذلك لا يمكن للنفس أن تعبر بذاته من بحر الخطية المر وتعلو عليه وتجوز الهوة الصعبة التي هي هوة قوات الظلمة الخبيثة في الأهواء إلا أن أحرزت روح المسيح اللطيف السماوي الخفيف الذي يسير ويعبر من كل الخبث . فبواسطة هذا الروح يمكنه أن يصل إلي ميناء الراحة السماوية من معبر ضيق إلي مدينة الملكوت.

+ إن الروح القدس في المعمودية يسم النفس ويمنحها ختماً ترتجف منه الشياطين خوفاً ، ختماً سماوياً وإلهياً.

سر الميرون.

+ من ذا الذي أغلق أبواب السماء أليس هو إيليا((1مل1:17،يع17:5). الذي أمر الله المطر على يديه؟! أما رأيي فإنه ذاك الذي قوة السماء موشحة به حالا داخل عقلة ...

وكذلك موسى رمي بعصا فصارت ثعباناً ثم تكلم فصار عصا فالواضح إن القوة السمائية كانت في حالة عقل موسى وفعلت هذه الآيات على يديه.

وداود رمي الحجر على الأجنبي فساقت يد الله الحجر علية فقتلته فحص الظفر لأن داود ما كان يستطيع أن يفعل ذلك من ذاته لضعفه في الجسد ...

ولما قاتل موسى عماليق كان إذا رفع يديه نحو الله في السماء يغلب عماليق وإذا خفض يديه ينهزم(حز11:17).

ولكن إذ سمعت بهذه الأمور فلا تدع عقلك يزيغ عنك بعيداً بل أذكر أنها كانت رمزاً وظلا للحقائق وتحققها في نفسك لأنه كلما مدت يدي عقلك وأفكارك إلي السماء ، وشئت الاتحاد بالرب انخفض الشيطان تحت أفكارك وكما سقطت أسوار أريحا بقوة الله كذلك تهزم الآن عنك بقدرته قوة الخطية التي تسد العقل ... وهكذا كانت قوة الله حاضرة مع الأبرار بلا انقطاع وفاعلة عجائب واضحة وان يكون ذلك العهد ظلاً لهذا العهد الذي نحن فيه.

وكذلك الروح كان يمد فاعليته في الأنبياء ويلهمهم النبوة والإعلان لأنهم ما كانوا يتكلمون في كل الأوقات إلا بإرادة الروح الذي كان فيهم.

فإن كان الروح القدس أفيض في ذلك العهد عهد الظل بهذا المقدار فكم بالحرى في العهد الجديد عهد الصليب ومجيء المسيح حيث حدث فيض الروح وامتلاؤه فإنه قال : لأني أسكب روحي على كل بئر(أع17،16:2 ، يؤ20:2). وقال ربنا(فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيده فكم بالحرى الأب الذي من السماء يعطي الروح القدس للذين يسألونه "لو13:11").

لأن الذي يعرف خداع الخطية التي تنجس الإنسان الباطن بأهوائها الدنيئة ولا يدري في نفسه بعون روح الحق المقوي لضعفه والمجدد نفسه ببهجة القلب ، فإنه يسير بلا بصيرة ، لكونه لم ينل بعد تدبير نعمة الله وسلامة الوافر.

وأما الذي يساعده الرب ويكون حاصلا السماوية ، فإن تصور أنة لا يعود تأذيه الخطية فإنه مخدوع من حيث لا يدري ، إذ لم يتفطن لحيلة الخطية ولم يفهم نمو العمر والتمام بالمسيح اللذين لا يكملان إلا درجة فدرجة ،لأنه بسيرة الروح القدس الإلهي نمجد الأب والابن والروح القدس إلي الأبد أمين.

سر التوبة والاعتراف.

في سر الميلاد الثاني تجددت طبيعتنا ، وصرنا مولودين بالروح ، أبناء الملكوت ، لنا حق التمتع ببركات الخلاص ...

وإذ مسحنا بسر الميرون صار كل عضو من أعضاء جسدنا ، وصارت حواسنا وأفكارنا وقلبنا وعواطفنا ونفسنا ... الكل مختوم بخاتم الله .. ملك الرب ، وهيكل الروح القدس..

لكن في الطريق بسبب ضعفنا البشري أو نسياننا لحقيقة نفوسنا أو عدم إدراكنا لقوة النعمة أو تراخينا في طريق الجهاد ... لسبب أو آخر لن يخلو المر من ضعفات فيهمل عضو أو حاسة أو طاقة من طاقتنا في تأدية رسالتها التي تكرست لها بسر الميرون...

وقد يهمل الإنسان وينسى حتى يصير أحياناً أشر ممن لم يعرفوا الله أو ينالوا نعمة ... ومع ذلك لا يتركهم القدوس المحب للبشر...

وهنا عمل الروح المحب هو الكشف .... يفضح الخطية أمام عيني النفس فإن تجاهلت عمله مرة فأخري ... صار شرها مضاعفاً ودينونتها رهيبة .

وإن تجاوبت مع عمل محبته ... أوضح لها أكثر فأكثر حقيقة موقفها ، وأعلن لها الحب الإلهي بقوة الدم وبكتها على الخطية ، وهذا كله يدفع بنا في الطرق إلي الحزن المقدس على خطايانا التي تتعلق بنا بإرادتنا أو بغير إرادتنا.

فيتوب الإنسان ويعترف بخطاياه للرب في حضرة خادمة صاحب السلطان الذي يستدعي الروح القدس ليغفر خطاياه.

هذه هي التوبة ... وهي تجديد للذهن ، ولكنها ليست تجديد للطبيعة. هذا التجديد الذهني لا يحدث مرة واحده كما في المعمودية حيث يتم تجديد الطبيعة ، إنما يحدث باستمرار في حياة المؤمن ويبقي هكذا في توبة دائمة لعله يبلغ إلي ملء قياس قامة المسيح ...

هذه التوبة تغسل الثوب الذي نلناه في المعمودية واتسخ بخطايانا ... لذلك تدعي (معمودية ثانية) . وهي مرتبطة بموت المسيح وقيامته ، وقد سبق لنا الحديث عنها في باب (تلمذتي لأب اعترافي) في الجزء الثاني  (الحب الرعوي) ومنعاً للتكرار أكتفي بذكر القول التالي راجياً العودة إلي الباب المشار إليه.

+ إن النفس تحتاج من هذا القبيل إلي المصباح الإلهي وهو الروح القدس الذي ينير البيت المظلم وإلي شمس البر الساطعة التي تضيء وتشرق في القلب وتحتاج أيضاً إلي أسلحة الغالب في الحرب(يو33:16).(أش1:63 ، رؤ2:12،21:3).

وهذا هو المعني بالأرملة التي أضاعت الدرهم فأنارت الشمعة أولا لو8:15. ثم كنست الدار . فلما كنست الدار وأضاءت الشمعة الإلهية ، فإنها تنير البيت الذي كان مظلماً وحينئذ تنظر أفكارها كيف كانت مدفونة في دنس الخطية وطيفها ، ثم تشرق الشمس فتري النفس هلاكها وتشرع في استرداد أفكارها التي كانت مشتته ومختلطة بالزبل والدنس ، لأن النفس أضاعت صورتها حين خالفت الوصية(تك26:1 ، أف24:4 ، كو10:3).

مواهب تقوية ...السلام الفائق العقل.

+ المجد للثالوث الأقدس من أجل المراحم التي تعلو فوق كل وصف . لأن أولئك الذين حسبوا أهلاً لأن يصيروا أبناء الله(يو12:1). ويولدوا من الروح من فوق(يو5،3:3) .                             والمسيح فيهم ينيرهم(2كو2:4) ويعطيهم راحة(مت28:11) يقودهم الروح بهدايات مختلفة متعددة ، وتعمل النعمة في قلوبهم ، وتكون لهم مع ذلك راحة روحية.

لنبدأ بالأوصاف المنظورة في العالم من جهة المسرات والتنعمات لكي نوضع طرق الروح في النفس بأمثال خاصة:

فهي تارة تعلو كما في وليمة الملوك(لو32،25:15). وتفرح فرحاً وسروراً لا يوصف.

وتارة تكون كالعروس التي باقترانها بعريسها تنعم باللذات الإلهية .                                  وتارة تكون كالملائكة(1يو3:1) غير المحجوزين بهذه المظلة الأرضية بسبب علو سموهم وخفة أجسادهم ...

وتارة نكون كالمغلوبين بالسكر، فتسكر النفس بالروح وبالسرائر الإلهية الروحانية.              وتكون تارة جميعها في هم وتأسف من أجل جنس البشر"مز136:119". وتشفع في ذرية آدم كلها وتولول وتنوح عليها بحيث تضطرم وتلتهب فيها محبة الروح للطبيعة البشرية.

وتارة يتقد فيها فرح الروح ومحبته بهذا المقدار ، حتى لو أمكنها لخطفت كل إنسان إلي أحشائها بدون أن تميز بين الرديء والحسن.

وأحياناً تتضع جداً تحت كل شخص بحقارة الروح حتى تحسب ذاته ادني وأقل من الكل.
وأحياناً يكون كبطل يلبس الدرع الملكي (أف11،6 ، لو22:11) يهجم على أعدائه (الشياطين) في الحرب ...

ليس لفاعلية الروح انقطاع ، بل فاعلية تلو الأخرى ، حتى تصل بالنفس إلي كمال الروح ويتم تطهيرها من أهوائها الفاسدة ... وحينئذ تصير كلها نوراً ، وكلها روحاً ، وكلها فرحاً ، وكلها راحة (سلاماً) وكلها بهجة ، وكلها محبة ، وكلها أحشاء ، وكلها صلاح وحلماً.

فإنه كما أن الحجر الذي يكون في وسط البحر يحيط به الماء من كل ناحية كذلك الذين هم مغمورون بالروح القدس ، ويتشبهون بالمسيح نفسه ويحتوي باطنهم على فضائل (ثمار) قوة الروح بلا تغيير لكونهم بلا عيب من داخل ومن خارج ولا دنس منهم ، بل هم أنقياء فإنهم إذا أتي بهم الروح إلي الكمال الواجب كيف يمكنهم أن يخرجوا ثمار الخطية من خارج بل في الأزمنة وفي كل حال تضيء ثمار الروح(غل 2:5) خارجاً في سيرتهم كلها ضياء لامعاً.

+ السلام علامة القداسة.

+ يلزم على كل إنسان أن يحرص على السلام أيها الأخوة . لأن من يعيش في سلام مقدس ، يحيا دوماً في الله ، ويكون شريكاً مع القديسين في صحبة الله.

 

الروح القدسُ والقداسة

تقديس الخطاة

الروح القدس يعدك عروساً ليسوع...

+ وكما أن الإنسان إذا رأي طائراً يطير ، يشتاق أن يطير هو أيضاً فلا يمكنه ذلك بسبب عدم وجود أجنحة له ، كذلك يشتهي الإنسان أن يكون نقياً بلا عيب ولا دنس وان لا يكون في طبيعته حقد.

ويشتهي أن يكون مع الله دائماً ؛ ولكن ليس له ما يمكنه من ذلك . فرغم رغبته في التحليق في الجو الإلهي في حرية الروح القدس ، لكنه لا يقدر إلا إذا أعطيت له أجنحة لهذه الغاية.

فلنلتمس من الله إذاً أن يهب لنا أجنحة حمامة(مز6:55)أي الروح القدس ، لنطير إليه ونطمئن ، وان يطرد الروح الشرير ويقطعه منا ... أي يقطع الخطية الساكنة في أعضائنا نفساً وجسداً لأنه هو القادر وحده على فعل ذلك.

+ وقد كتب في الناموس أن الكاهن يأخذ حمامتين ويذبح أحداهما ويرش بدمها الحية ويطلقها لتطير . ولكن هذا الفعل كان رمزاً وظلاً للحق ، لأن المسيح قتل ورش دمه علينا(عب22:10) فعل لنا أجنحة لأنه أعطانا بروحه القدس أن نطير إلي جو اللاهوت بلا مانع.

+ كما أن الطير الذي ليس له غير جناح واحد لا يقدر أن يطير بذاك الجناح الواحد ، كذلك الطبيعة البشرية إن بقيت عريانة بذاتها ولا تقبل العشرة من الطبيعة الإلهية فلا تستقيم أبداً ، بل تظل ذليلة في طبيعتها بدنس كثير ، لأن النفس ذاتها تدعي هيكل الله وبيته وعروس الملك ، لأنه قال أجعل مسكني بينهم وأسير فيهم (لا12،11:26 ، 2كو16:6)...

+ وكما أن المرأة المخطوبة لرجل ، من كثرة محبتها تهاديه جميع خيراتها ومهرها كله وتلقي الكل في يدي زوجها قائلة(ليس لي شيء ملكي بل الخيرات التي لي هي خيراتك ومهري منك ونفسي وجسدي لك ، كذلك هي النفي العذراء التي تعاشر الروح القدس(1يو3:1). ولكن كما أنه لما أتي الرب تألم وصلب كذلك يجب عليك أن تتألم معه لأنك بعدما تبتعد عن العالم وطلب الله تصبح ذا فطنه(عب14:5).

+ في العالم الظاهر إذ ذهب ملك ليطيل مقامه واتفق انه نزل بيتاً فيه نجاسة ما فإنه ينظم ويزين بزينات متنوعة ويبخر بروائح عطرة فكم بالحرى يحتاج بيت النفس الذي يأتي الرب ليستريح فيه إلي زينات كثيرة لكي يدخله ويقيم فيه ذاك الذي هو نفسه نقي من كل دنس وعيب فهكذا هو القلب إذ فيه يحل الله وكل الكنيسة السماوية.

+ ثم أنه كما أن الملك إذ وجد بنتاً لابسه أسمالاً بالية لا يستنكف منها بل يجردها من ثيابها الدنسة(أش6:64 ، وزك4:3 ، مر1:1). ويغسل سوادها(نا10:64) ويلبسها حلة بهيجة(لو25:7). ويصيرها أليفته وجليسته في مائدته وحظه كذلك الرب وجد النفس مجروحة مضروبة فداوها وجردها من ثيابها المظلمة ومن دنس الخطية وألبسها الحلة الملوكية السماوية الإلهية(مز2،1:104) اللامعة المجيدة ووضع عليها التاج وصيرها جليسته في المائدة الملوكية فرحاً لها وكفاية.

+ وعلى نحو ذلك ارتضي الرب عند مجيئه أن يتألم من جراء الكل ويشتريهم بدمه(رؤ9:5) ويضع خمير الصلاح الروحي (مت33:13) في النفوس المؤمنة المغلوبة بالخطية.

وبعد ذلك بمقدار نشوئه وتقدمه فيها ويكمل كل بر الوصايا وكل الفضائل إلي أن تتخمر وتصير كلها واحداً بذلك الصلاح ، وتكون مع الرب روحاً واحدة(1كو17:6) كما قال مار بولس حتى أن الخطية أو الخبث لا يعود يصل إلي الأفكار التي في النفس المخمرة كلها بالروح الإلهي ... فأما من دون الخمير  الذي هو قوة الروح الإلهي فلا يمكن للنفس أن تختمر بصلاح الرب وننال الحياة ...

إذاً فرضنا أن إنساناً عنده لحوم كثيرة وقد غفل عن تمليحها بالملح الذي يهلك الدود ويزيل العفونة فإنه مهما حرص عليها واحتفظ بها فلابد لتلك اللحوم من أن تنتن ولا تنفع صاحبها كذلك الطبيعة البشرية هي لحم أو عجين غير مخمر ... وان الملح والخمير من عالم أخر أي الطبيعة الإلهية التي هي الروح لذلك ما لم يلقي خمير الروح السماوي وملح اللاهوت الصالح المقدس في الطبيعة البشرية المزينة بالاتضاع فلا يمكن للنفس البشرية أن تخلو من عفونة الخطية ولا تخف من ذلك الثقل أو تخلو من الخمير الذي هو الخبث.

فإنه كلما ظهر للنفس أن تصنع من تلقاء ذاتها وتعتني وتتعب مستندة على مسند قوتها فقط ومتخيلة بأنها قادرة على تكميله من ذاتها بدون مساعدة الروح ، فإنها تضل ضلالاً عظيماً لأن مثل هذه النفس لا تتأهل للأماكن السماوية قط(يو2:14)، لا للملكوت متي زعمت أنها قادرة بذاتها أن تظهر نفسها كاملة وناجحة.

فالمرء المعذب بالأهواء المشوشة ، إن لم يأت إلي الله ، بعد أن يجحد العالم ، ويؤمن مع الرجاء والصبر ، لكي ينال شيئاً صالحاً لا من خواص طبيعته بل من قدرة الروح القدس ، ويمطر الله الحياة الإلهية على نفسه من العلاء ، فإن هذا الإنسان لا يشعر بالحياة الحقيقية ولا يفيق من سكرة الهيوليات ولا يضيء نور الروح في النفس المظلمة منه ... فيجب على الإنسان أن يشعر بنعمة الله وقوته في الفضائل... 

+ فيجب إذاً على كل منا أن يصدق الجد والاجتهاد ولا يقصر في الفضيلة وان يؤمن ويطلبها من الرب لكي يصير الإنسان الباطن منه شريكاً في المجد في هذه الحياة الحاضرة وتكون للنفس شركة في قداسة الروح (1يو3:1) حتى إذا تطهرنا من دنس الخطية يكون لنا في القيامة ما نستر به عري أجسادنا عند قيامها ونغطي به عيوننا ويحيينا ويريحنا في ملكوت السموات إلي الأبد.

تقديس الفكر

الروح القدس وتقديس الفكر :

الفكر عطية إلهية به تتعبد الخليقة العاقلة متجاوبة مع الإله المحبوب وبه يمكن لها أن ترفض إلهها وتجحده.

وفكر الإنسان يكشف عن اشتياقاته وعواطفه ومخاوفه وطرقه (قلب الإنسان يفكر في طريقة)"أم9:16 لهذا وإن كان هجوم الفكر ليس خطية تحاسب عنها لكن قبوله ولو إلي لحظات يكشف لك ضعفاتك ويعرفك انحرافاتك ويظهر لك مواضع ضعفك.

عمل الروح القدس فيك أن يبتر عن فكرك كل ما هو غير فكر المسيح ، لتكون كاملاً في الفكر(1كو10:1) جاذباً فكرك إلي طاعة المسيح(2كو5:10).

عمله ... الكشف لك عن حقيقة العرس الحقيقي ... والعريس الحقيقي ... حتى حيث (يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً)"مت21:6". (تحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك)"مت37:12".

كيف تتسل الأفكار الدنسة :

يقول الأنبا دانيال بأن الأفكار كالطائر تحوم حولك ، لكن ليس لها سلطان على السكني في رأسك ما لم تسمح لها ولكن متى سمحت للفكر أن يدخل ، ولو مرة واحدة ، يصير من حقه أن يطاردك ، ويهاجمك حتى بعد توبتك ... وبخاصة في لحظات ضعفك.

كل فكر دنس ـ جنسي أو غير جنسي ـ تقبله برضاك ، يعطي للشيطان حقاً عليك أن يهاجمك به فيما بعد ... لذلك ما لم تتسلح دوماً ضده يصير مقاتلاً لك حتى ولو كنت في وقت شيخوختك!

ويؤكد القديس مرقس الناسك أنه لن يستطيع أن يفكر أن يهاجمك ويتغلب عليك ما لم يكن سبق أن قبلته برضاك ، أو قبلت فكراً مشابهاً أو زميلاً له.

عمل الروح القدس أن يقدس أفكارك في الرب ويحصرها فيه حتى متى هاجمتك أفكار قديمة سبق أن سقطت فيها يدافع عنك ويحميك لكن متى تراخيت ولو قليلاً ... تفتح لنفسك باباً دائماً للهجوم حتى بعد توبتك.  فمن يستهين بفكر الشرير ـ مهما بدي بسيطاً أو هيناً أو ضعيفاً ـ يضع لنفسه ثقلاً قد لا يشعر به إلا بعد سنوات.

+ كما أن الشمس عند إشراقها على الأرض تكون عليها بكليتها ، ولكن عند غروبها تجمع أشعتها عنها ... كذلك النفس التي لا تولد ثانية من الروح من فوق إنما تكون على الأرض بكليتها في أفكارها وتمتد عليها في عقلها إلي غاية حدودها . ولكنها إذا حسبت أهلا لنوال التجديد السماوي وشركة الروح تجمع أفكارها كلها عنها وتصونها في مستقرها فندخل إلي الرب في المستقر  الذي هو من السماء غير المصنوع بالأيدي(2كو1:5) وتصير كافة أفكارها سماوية نقية طاهرة صاعدة في الجو السماوي ....

تقديس الجسد

+ حواس النفس الخمس المدركة إن نالت النعمة من فوق وتقديس الروح كانت هي حقاً الخمس عذارى اللواتي نلن حكمة النعمة من فوق . وأما إن بقيت على طبيعتها كانت جاهلة ، فتنكشف أنها من مواليد العالم لكونها لم تنبذ عنها روح العالم مع أنها في غرورها تزعم أنها عرائس العريس حقاً بلطافة منطوقها ورزانة منظرها لأنه كما أن النفوس التي تلتصق بالرب بكليتها(مز28:72) فيف تفتكر وتصلي وتسعي وتتلهف إلي محبة الرب ، كذلك النفوس المربوطة بحب العالم تشتهي أن يكون تصرفها على الأرض ، فهناك تسعي ، وهناك تشغل أفكارها ، وهناك يسكن عقلها تماماً.

لا تطفئوا الروح.

+ (عن النفوس المهملة). إنها لما حسبت أهلا للنعمة الإلهية ، ثم خدعها عنصر الخبث بغتة سلمت ذاتها لنوع إهمال وتغافل . والسبب واضح وهو أنها بعد أن تنال نعمة الروح وتتنعم حقاً بعزاء النعمة في الراحة والشوق والحلاوة الروحانية وتتكل عليها ، تتشامخ وتغفل عن التحرز لكونها ليست ذات قلب منسحق ولا عقل متضع ولا هي في تلك الدرجة الكاملة درجة الحرية من الشهوات ولا انتظرت الامتلاء من النعمة بغاية الاجتهاد والإيمان بل عوضاً عن ذلك اكتفت وقنعت غاية ما أمكن ووثقت بعزاء النعمة القليل الذي هو فيها.

فالنجاح الذي حصلت عليه مثل هذه النفوس أدي إلي التشامخ أكثر من التواضع حتى أنها جردت ثانية من تلك الموهبة التي أسبغت عليها أولاً لكونها ر ذلت التقدم بغفلتها وتشامخ رأيها الباطل.

( أقوال القديس مقاريوس الكبير )

مفــُهوم الحــــُب

خصـَــائصُ الحـُب

يجب العاطى لا العطية.

آدم قبل السقوط كان محبا لله وليس مستغلا له أي  يحبه لأجل عطاياه بل يري الله خلال كل عطية فيري عنايته به في الطبيعة الجميلة والحيوانات والطيور واهتمامه به في خلقه حواء وأم ما يشغل تفكيره دائما أنه بين الحين والآخر يسمع صوت الله ماشيا في الفردوس فتذوب نفسه حباَ وتلامس الصورة مع الأصل وتنغمر نفسه بسعادة غير منطوق بها ويود لو بقي هكذا مع اله ناسياَ كل العطايا والهبات مشغولا بخالقها ذاته.

لماذا نحب العطية أكثر من العاطى؟

الإنسان الذي يحيا بروح الله يتجاوب مع كل مؤثر بالمحبة لله لأنه يري الله في كل شيء أما الذي يحيا بطبيعته الأولي القديمة فإنه لا يري الله في عطاياه ولا في خليقته بل يري الكل في ذاته هو لأنه يحيا بذاته لا بالله وهذا هو سر تعلقه بالخطية مادية كانت أو روحية وتفاعله معها.

تأمل أي إهانة يوجهها الابن إلى أبيه إن أحب أباه لأنه ينتظر الساعة التي ينال فيها الميراث والعروس التي تعشق هدايا عريسها أكثر منه فأي إهانة ترتكبها النفس بمحبتها لعطايا عريسها أكثر منه؟! لذلك لو لم تكن الحياة الأبدية ذاتها تعني الوجود في أحضانه لقلنا إننا ما نحب الله لأجل البركات الزمنية بل ولا الحياة الأبدية.

فالمؤمن الحقيقي الذي أدرك محبة الرب وذاق حلاوة العشرة معه لا يعود يقنع بشيء حتى يأخذ الرب ذاته ناشداَ فليقبلني بقبلات فمه لان حبك أطيب من الخمر (نش  1 :  2) فلن ترضيني قبلة ولا قبلات كثيرة بل كل قبلات فمك أريدك أنت لي لأنه من لي في السماء و معك لا أريد شيئا في الأرض (مز  73 :  25)

+ حينما تخطب عذراء لرجل غني تتلقي منه هدايا كثيرة الزواج من حلي وملابس وأواني ثمينة لكنها لا تقنع حتى يحين موعد الزفاف لتصير له بالكلية..........

هكذا أيضا النفس حيثما تخطب كعروس للعريس ألسمائي تتلقي كعربون من الروح عطايا روحية معرفة وفها واستعلانات وربما أشفيه ولكنها لا تقنع بهذه حتى يتم الإتحاد التام به بصداقة لا يمكن أن تتغير أو تسقط أبداَ في حرية كاملة بلا شكوك ولا تردد.

أو قل إنها تشبه طفلا جائعا قلد باللآلئ والملابس الغالية فتجده لا يلتفت إلى شيء مما عليه بل يزدري بالكل متطلعا على ثديي أمه كيف يستخوز على نصيبه من الرضاعة.

+ حينما يغضب الإنسان نفسه هكذا إلى كل الفضائل ويلح في طلب وسؤال كل ما هو صالح لخلاص نفسه ويثبت سؤاله بأعماله وجهاده فإن الرب يعطيه روحه ليعمل به....

هكذا يجب على الإنسان أن يهيئ قلبه لعمل الله بكل قوته وقدرته ويقدم أفخر ما فيه ليحل الله في داخله وما لم يعد الإنسان نفسه ويزينها بالفضائل يحرم من ثمار النعمة وعملها رغم حلولها عليه (لأن الروح القدس يناله الإنسان في المعمودية لكن بدون الجهاد يخمد عمله فيه)

+ بالإيمان ينال الإنسان نعمة ويكون أهلا لدخول الملكوت إلا أنه من الناحية الأخرى عليه أن يحافظ على روح النعمة ويكون موافقا له في كل أعماله فلا يأتي عملا ردياَ أو يهمل عملا من أعمال الله فإذا داوم على ذلك ولم يحزن الروح داخله بعمل يوافقه يمكن عمليا من الدخول إلى ملكوت السموات.

وعندما تختبر إرادة الإنسان تدريجيا على مدي الزمان باختبارات متنوعة فإن كانت على الدوام حسب درجة النعمة المعطاة وموضوع رضي ومسرة الروح القدس تزداد النعمة فاعلية في الإنسان حتى تشمل الإنسان بحملته وتصيغه حسب قياس القداسة والطهارة التي تليق بقيامته الروحية وتجعله لائقا لملكوت الله الذي له السبح والمجد إلى الأبد آمين.

حبــّـنا للخروفُ الضـّال

كيـَف أخـُـدم؟!   

+ إن أردت أن توبخ إنسانا ووجدت أن الغضب قد تحرك فيك فاشف ألمك أولا ولا تهلك نفسك في تخليص آخر.

علامات حـّبـنا للأقرباء

طول الأناة آو الترفقُ عدم الغضب

+ إن طول الروح هو صبر والصبر هو الغلبة هي الحياة والحياة هي الملكوت والملكوت هو الله سبحانه وتعالي البئر عميقة ولكن ماؤها طيب عذب الباب ضيق والطريق كرب ولكن المدينة مملوءة فرحا وسروراَ البرج شامخ حصين ولكن داخله كنوزا جليلة.

أضرار الغضـبُ

+ والشياطين إذا رأوا إنسانا قد شتم أو أهين أو خسر شيئا ولم يغتم بل احتمل بصبر وجلد فإنها ترتاع منه لأنها تعتقد وتعلم بأنه قد سلك في طريق الله.

علاج الغضـبُ

+ إن احتد أحد على أخيه وأحزنه فلا ينام قبل أن يصالحه بحلاوة المحبة فقد كتب لا تغيب الشمس على غضبكم وبقبلة المحبة والسلام يخزي عدو السلام ويفرح إله السلام وتكونوا بنية المغبوطين لأنه قال طوبي لصانعي السلام لنهم أبناء الله يدعون.

+ إذا تأملنا في الشرور التي تقع علينا من الناس فإننا نقطع من عقولنا قوة التأمل في الله.

+ عن كنا نتذكر شروراَ فإننا نضر ذا كرتنا.

علامات حـّبـنا للأقرباء

تكـُـريم كل عضـُـو

+ قد يتفق أن ثلاثين نفساَ يعيشون تحت سقف واحد ولا يمكنهم أن يبقوا معا نهاراَ وليلا كاملين بل ربما ينشغل بعضهم بالصلاة مدة ست ساعات ثم يميلون للقراءة والبعض يستعدون للخدمة والبعض يشغلون أعمالا كثيرة فالإخوة إذا مهما كان عملهم يجب عليهم أن ما يعمله أحدهم للآخرين إنما يفعله بود وانشراح فالذي يعمل يقول عن الذي يصلي إن الكنز الذي يجده أخي مشترك فإن لي فيه نصيب. والذي يصلي يقول عمن يقرأ أن كل ما أعمله من الخدمة هو لخير الجميع. فكما أن أعضاء  الجسد كثيرة ولكنها جسد واحد(رو4:12-5 1كو12:12-24) وبالطبيعة يساعد كل منها الأخر هكذا كل واحد يقوم بوظيفته غير أن العين تنظر لأجل الجسد كله واليد تعمل من أجل الأعضاء كلها والقدم تمشي وتسند جميعها........ هكذا فليكن الإخوة فالذي يصلي لا يدين العامل لقلة صلاته ولا يشتكي العامل من المصلي قائلا إنه مستريح وأنا على الشغل كله ولا يذم الخادم غيره بل ليفعل كل واحد ما يفعله لمجد الله............. ولكن يوجد أيضا شيء آخر ضروري وهو أن يحصل الإنسان في نفسه على كنز(أش6:33 , مت44:13-35:12) وعلى الحياة(يو4:1) وهو أن يكون الرب في عقله حتى أنه سواء كان يشتغل أو يصلي أو يقرأ لا يزال حاصلا على ذاك الذي لا يزول (أم18:8) وهو الروح القدس.

عَــدم الإدَانة

+ إن بعد إشارة الصليب تفعل النعمة في هذه الحياة الحاضرة على هذا المنوال وهو أنها تهدي كل الأعضاء والقلب حتى عن النفس من زيادة الفرح تظهر كأنها طفل صغير لا يدري الخبث ولا يعود الإنسان يدين الوثني أو اليهودي أو إنسان هذا العالم بل يدين الإنسان الباطن فيه إنه يتطلع إلى الكل بعين طاهرة وبفرح الإنسان وبود لو يكرم الجميع.

+ كذلك يجب على المسيحيين أن يجتهدوا أن لا يدينوا أحدا حتى ولا زانية من الزانيات ولا الآثمة المشهورين بخطاياهم ولا قليلي النظام بل يراعوا كل جنس البشر بسذاجة النية وعين النقاوة لكي يصبح الإنسان من طبيعته وأساسه ألا يستخف بأحد ولا يدين أو يكره أحداَ حتى ولا يميز بين أشخاص الناس فإن رأيت رجلا أعور فلا تحتقر في قلبك بل أعطه من. من الاهتمام حقه الذي كنت تعطيه له لو كان لا عيب فيه لأن نقاوة القلب الصحيحة هي أنك إن رأيت الخاطئين أو الضعفاء ترثي لحالهم وتظهر لهم الرحمة لأنه هكذا يناسب قدسوا الرب أن يجلسوا في المحرس (حب1:2, أش8:21) ويعانيون ضلال العالم وخداعه ويخاطبون الله بالإنسان الباطن وأم بالإنسان الخارج فإنهم يظهرون لجنس البشر كأنهم إنما يشاهدون ما يحدث في العالم.

+ أحيانا تكون جميعا في هم وتأسف على كل جنس البشر(مز136:119) وتتشفع في ذرية أدم كلها وتولول وتنوح عليها بحيث تضطرم وتلتهب منها محبة الروح للطبيعة البشرية وأحيانا يتقد فيها فرح الروح ومحبته بهذا المقدار حتى أنه لو أمكنها لخطفت كل إنسان على أحشائها بدون أن تفرق  بين الرديء والجيد.

عَــدم النميمـَـة

أضرار النميمة.

+ احفظوا أسماعكم من كلام النميمة فتكون قلوبكم نقية واهربوا من كل ما ينجس القلب.

+ احفظوا ألسنتكم وذلك بان لا تقولوا على إخوتكم شرا لأن الذي يقول على أخيه شرا يغضب الله الساكن فيه ما فيه كل واحد برقيقه فبالله يفعله.